الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
471
المنقذ من التقليد
لا يعدّ خرق عادة . وأمّا من قال : انّ نظم القرآن وتأليفه مستحيلان من العباد ، كخلق الجواهر والألوان ، فقوله باطل أيضا ، لأنّ النظم والتأليف الحقيقي ، إنّما يثبت في الأجسام فإطلاق هذين اللفظين في القرآن وغيره من الكلام مجاز ، والمراد به إذا استعمل في الكلام حدوث بعضه في أثر بعض . إذا تقرّر هذا ، فالحروف التي منها ينتظم الكلام قرآنا كان أو غيره ، كلّها مقدورة لنا . وأمّا احداث البعض في أثر البعض على وجه يكون فصحيا ، فإنّما يتمكن منه بالعلم فمن تعذّر عليه ذلك ، إنّما يتعذر لفقد علمه بكيفيّة إيقاع الحروف واتباع بعضها البعض ، لأنّ ذلك مستحيل وقوعه منه على جميع الوجوه وفي كلّ الحالات كالجواهر والألوان اللذين مثله بهما كما أن العشر يتعذر على المعجز « 1 » لعدم علمه بذلك لا أنّه مستحيل منه من حيث القدرة فإن أراد باستحالة ذلك ما يرجع إلى فقد العلم فقد أخطأ في العبارة والتمثيل معا . وأمّا من قال : إنّ جهة الإعجاز ما تضمّنه من الإخبار عن الغيوب فذلك لا شك في كونه معجزا لكنّه ليس هو الوجه الذي توجّه نحوه التحدّي ، لأنّ أكثر القرآن خال من ذلك ، والتحدّي وقع بسورة غير معيّنة . ثمّ إنّ الإخبار عن الغيوب في القرآن على ضربين ، ماض ومستقبل . فالأوّل مثل الإخبار عن الأمم السالفة . وذلك يمكن أن يدّعى فيه أنّه قرأ الكتب التي فيها أخبار الأمم الماضيّة ، أو سمع ممن قرأها ومتى قيل : كان المعلوم من حاله عليه السلام أنّه لم يقرأها ولا سمع من قرأها ، أمكن أن يقال : إنّما يمكن ادّعاء أنّه ما قرأها ولا سمعها ظاهرا . فأمّا أنّه لم يسمعها خفيّا ، فلا طريق للعلم به .
--> ( 1 ) م : المفحم .